من الملاعب إلى السياسة.. ماذا كشفت أحداث مباراة الاتحاد والسويحلي في ليبيا؟
Al-jazeera
Image: Al-jazeera
تحولت مباراة في الدوري الليبي الممتاز -مساء الخميس الماضي- إلى واحدة من أكثر الأحداث توترا في المشهد الرياضي الليبي خلال السنوات الأخيرة، بعدما امتدت أعمال الشغب من ملعب ترهونة إلى قلب العاصمة طرابلس، وانتهت باقتحام جزء من مقر رئاسة الوزراء بطريق السكة وإضرام النار فيه، وسط انتشار أمني وإغلاق للطرق المؤدية إلى المنطقة. اندلعت التوترات خلال مباراة جمعت نادي الاتحاد ونادي السويحلي ضمن منافسات "سداسي التتويج" بالدوري الليبي الممتاز، قبل دقائق من نهاية الوقت الأصلي، عقب احتجاجات لاعبي وجماهير الاتحاد على قرارات تحكيمية، أبرزها المطالبة بركلة جزاء، وفق بيانات وتصريحات صادرة عن النادي وتقارير إعلامية محلية. وأظهرت مقاطع مصورة متداولة حالة من الفوضى داخل محيط الملعب، مع إطلاق نار وتدافع جماهيري، قبل أن تتوقف المباراة رسميا. وعقب اللقاء، أصدر نادي الاتحاد بيانا طالب فيه بفتح تحقيق "عاجل وشفاف" في القرارات التحكيمية، معتبرا أنها أثرت بشكل مباشر على نتيجة المباراة، كما دعا إلى مراجعة آليات اختيار الحكام في المباريات الحساسة. وفي بيان لاحق، حمّل النادي الاتحاد الليبي لكرة القدم ولجنتيْ المسابقات والتحكيم "المسؤولية القانونية عن الأضرار البشرية والمادية"، محذرا من تداعيات ما وصفه بـ"غياب العدالة التحكيمية". كيف انتقلت الاحتجاجات إلى طرابلس؟ بعد ساعات من توقف المباراة، انتقلت الاحتجاجات إلى العاصمة طرابلس، حيث اقتحم محتجون جزءا من مقر رئاسة الوزراء بمنطقة طريق السكة، وأضرموا النار في أجزاء من المبنى، وفق مقاطع مصورة متداولة وبيانات رسمية. وأعلنت هيئة السلامة الوطنية تدخل فرق الإطفاء للسيطرة على الحريق، فيما أظهرت صور -صباح الجمعة الماضي- انتشارا أمنيا ومدرعات تغلق مداخل طريق السكة، مع السماح فقط لسيارات الإطفاء والخدمات العامة بالدخول. كما أعلنت "كتيبة شهداء المحجوب" التابعة لوزارة الدفاع في حكومة الوحدة الوطنية أن "مجموعة من الأشخاص اقتحمت مقر مجلس الوزراء وأضرمت النار في أجزاء منه"، معتبرة أن ما جرى "اعتداء على مؤسسات الدولة وممتلكاتها". وأضافت الكتيبة -في بيان رسمي- أنها رصدت "عناصر مندسّة بين المتجمهرين قامت بإطلاق أعيرة نارية"، مؤكدة القبض على عدد من المتورطين وإحالتهم إلى جهاز الأمن الداخلي لاتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم. ما ردود الفعل الرسمية؟ في أول تعليق رسمي، وصف المجلس الرئاسي الليبي استهداف المرافق العامة بالحرق والتخريب بأنه "مساس خطير بهيبة الدولة"، معلنا تكليف النائب العام والجهات الأمنية المختصة بفتح تحقيق ومحاسبة المتورطين. ودعا المجلس الرئاسي المؤسسات الرياضية إلى معالجة الخلافات عبر الأطر القانونية، محذرا من تحويل التنافس الرياضي إلى أعمال عنف أو تخريب. وفي المقابل، لم يصدر تعليق رسمي شامل من الاتحاد الليبي لكرة القدم بشأن الأحداث أو مصير المباراة. كما بحث رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي مع آمر قوة إسناد مديرية أمن طرابلس محمود بن رجب مستوى جاهزية القوة ومتابعتها لتداعيات أحداث الشغب التي شهدتها مدينتا ترهونة وطرابلس، وأكدا رفع مستوى جاهزية القوة لمواجهة أي انفلات أمني. لماذا تجاوزت الأزمة الإطار الرياضي؟ يرى الصحفي الرياضي الليبي فؤاد الصادق، في تصريحات للجزيرة نت، أن ما جرى لا يقتصر على قرار تحكيمي، بل يعكس تراكمات احتقان داخل الوسط الرياضي وتراجع الثقة في منظومة التحكيم وإدارة المنافسات. وأشار إلى أن الأندية باتت في بعض السياقات تحمل أبعادا اجتماعية ومناطقية تتجاوز إطارها الرياضي، في ظل الانقسام السياسي والاجتماعي في البلاد. ويرى المحلل السياسي إلياس الباروني -في تصريحات للجزيرة نت- أن ما جرى يعكس أزمة أعمق من كرة القدم، إذ تتحول الملاعب في ليبيا إلى مساحة لتفريغ الاحتقان السياسي والاجتماعي في ظل هشاشة الدولة. ويضيف أن امتداد التوتر من الملعب إلى الشارع ثم إلى مؤسسات الدولة يكشف تداخل الرياضة مع الهويات والانقسامات المجتمعية، وتراجع قدرتها على البقاء كحقل رياضي خالص. كما يشير إلى أن ضعف الدولة وتعدد مراكز النفوذ جعلا الأندية ترتبط في الوعي العام باعتبارات اجتماعية وسياسية، مما يضاعف حساسية أي حدث رياضي. ما هي الارتباطات السياسية؟ وفي أعقاب الأحداث، أصدرت جماهير نادي الاتحاد بيانا -من داخل مقر النادي- طالبت فيه رجل الأعمال إبراهيم الدبيبة بـ"الابتعاد عن المشهد الرياضي"، كما منحت الاتحاد الليبي لكرة القدم مهلة 48 ساعة للاستجابة لمطالبها. ويُعرف إبراهيم الدبيبة برئاسته لمجلس إدارة السويحلي، كما يرتبط اسم عائلة الدبيبة بالمشهد السياسي في ليبيا من خلال حكومة الوحدة الوطنية برئاسة ابن عمه عبد الحميد الدبيبة. ويشغل إبراهيم الدبيبة منصب مستشار الأمن القومي، مما جعل اسم النادي يُطرح أحيانا ضمن نقاشات محلية تتناول تداخل السياسة والاقتصاد مع القطاع الرياضي، في ظل الجدل المتكرر بشأن حدود تأثير النفوذ العام على الأندية والمؤسسات الرياضية. كما يرتبط اسم محمد الدبيبة -نجل عبد الحميد- تاريخيا بدعم نادي الاتحاد وإدارته خلال مراحل سابقة، وتُشير روايات محلية إلى دعم قدمه خالد حفتر -نجل المشير خليفة حفتر– لنادي الاتحاد الليبي في فترات سابقة عبر دعم مالي وشخصي، إلى جانب مشاركته في مناسبات لتكريم لاعبين في منطقة الرجمة مقر القيادة العامة، جرى خلالها تسليم مكافآت مالية. ويحظى كل من الاتحاد والسويحلي بقاعدة جماهيرية واسعة في غرب ليبيا ومدينة مصراتة على التوالي، فيما تضفي الخلفيات الاجتماعية والسياسية المرتبطة بالمدن التي تمثلها بعضَ الحساسية على المواجهات الكبرى بين الأندية الليبية، بما يتجاوز أحيانا الطابع الرياضي التقليدي. هل تتكرر "مباراة الرصاص"؟ أعادت أحداث ترهونة وطرابلس إلى الواجهة واحدة من أكثر المحطات دموية في تاريخ الكرة الليبية، المعروفة محليا باسم "مباراة الرصاص" عام 1996، حين تحولت مباراة ديربي في ملعب "11 يونيو" إلى مواجهات دامية عقب احتجاجات جماهيرية. وتفاوتت الروايات حينها بشأن عدد الضحايا، في ظل غياب توثيق مستقل نهائي، لكن الواقعة بقيت حاضرة في الذاكرة الرياضية باعتبارها مثالا مبكرا على تداخل السياسة والعنف في ساحات الملاعب. وخلال السنوات الأخيرة، شهدت الملاعب الليبية توترات متكررة شملت اشتباكات جماهيرية واعتداءات على حكام، وسط انتقادات مستمرة لضعف التنظيم الأمني وغياب بنية رياضية مستقرة. ماذا تقول لوائح الفيفا؟ تعيد هذه التطورات النقاش حول انعكاسات أعمال الشغب على مستقبل الكرة الليبية، إذ تنص لوائح الاتحاد الدولي لكرة القدم والاتحاد الأفريقي على مجموعة من العقوبات في حالات الشغب، تشمل الغرامات المالية، وإقامة المباريات دون جمهور، أو نقلها إلى ملاعب محايدة، إضافة إلى خصم نقاط أو إجراءات انضباطية أخرى بحسب تقدير اللجان المختصة. إلى أين يتجه المشهد؟ تتجه الأنظار إلى نتائج التحقيقات الرسمية، وما إن كانت ستقود إلى مساءلة قانونية أو رياضية موسعة، في ظل تصاعد التساؤلات بشأن العلاقة بين الاحتقان الرياضي والانقسام السياسي في البلاد.
اقرأ المقال الأصلي
قم بزيارة المصدر للقصة الكاملة.




